مؤسسة آل البيت ( ع )

9

مجلة تراثنا

رمضاء الهجير ، فحشد الجموع ، وأعلن أمر الولاية صرخة مدوية في الإسلام . وفي ذلك اليوم ، في أعظم اجتماع للأمة بقائدها العظيم ، وأكبر محفل ضم الرسول والمسلمين ، في آن واحد ، على صعيد واحد ، وفي الشهور الأخيرة من حياته الشريفة وهي تتصرم ! وعمره الشريف يقترب من نهايته ، والفرص الأخيرة لتقديم آخر وصاياه تمر بسرعة . مثل هذه الظروف استغلها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لأداء مهمة ذلك الأمر الذي أنزل إليه من ربه ، وتصدى لتبليغه ، بأبدع ما بإمكانه ، وأكمله ، وأتمه . . . فخطب وأسمع ، ونادى فأبلغ ، وناشدهم أجمع : ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم ؟ قالوا . بلى . فقال - رافعا لعلي على يديه - : من كنت مولاه فهذا علي مولاه ، اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه ، وأنصر من نصره ، واخذل من خذله . في خطبة جامعة ، ناصعة ، طويلة الذيل ، حوت كل ما اهتم به من الوصايا الضرورية ، والتي أدى بها حق رسالة الله . وقد أعلن الرسول يومئذ عن ولي الأمر من بعده ، إشفاقا على أمته من أن يتركها هملا ، تتجاذبها عسلان الأهواء . واستخلف على المؤمنين من بعده إمامهم ، ليثبت به قلوبهم ، وليحافظ على قواعد الدين العظيم بإمرة من هو خير هاد للمسلمين . ولقد أدى الرسول هذه المهمة الصعبة ببطولة نادرة ، فقد كان الأعداء - المتربصين بهذا الدين الدوائر - يراقبون النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، يخشون مثل ذلك الأمر ، وكان المنافقون يهابون إعلان اسم ولي الأمر الذي يخلف النبي ، فبدؤوا شغبهم وأخفوا مكرهم ، ولكن الله بوعده بالعصمة قطع دابرهم . فظل خبر الغدير يتسع مع الحجيج العائدين إلى بلدانهم ، فلم تسعه المؤامرات ولم تطله الخيانات ، بل انتشر عبقه مع الأثير ، وسار نبؤه مع النور .